سيد محمد طنطاوي
318
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال - تعالى - : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَه ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ، كَفَرْنا بِكُمْ ، وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ والْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّه وَحْدَه إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لأَبِيه ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ، وما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ ، رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإِلَيْكَ أَنَبْنا ، وإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . 4 - ثم بشر - سبحانه - المؤمنين ، بأنه - بفضله وكرمه - سيجمع شملهم بأقاربهم الذين تشددوا في عداوتهم ، بأن يهدى هؤلاء الأقارب إلى الحق ، فيتصل حبل المودة بينهم جميعا ، ببركة اجتماعهم تحت كلمة الإسلام ، فقال - تعالى - : عَسَى اللَّه أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ، واللَّه قَدِيرٌ ، واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ . 5 - وبعد أن رخص للمؤمنين في مودة الكفار الذين لم يقاتلوهم ولم يلحقوا بهم أذى . . ونهاهم عن مودة الكفار الذين قاتلوهم وآذوهم . . بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء ثانيا إلى المؤمنين بين لهم حكم النساء اللائي أتين مؤمنات إليهم ، بعد أن تركن أزواجهن الكفار ، وفصل - سبحانه - هذه الأحكام حرصا على النساء المؤمنات . فقال - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ، اللَّه أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ، ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ . 6 - ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يبايع النساء المؤمنات على ما بايع عليه الرجال ، وأن يأخذ عليهن العهود على الطاعة للَّه - تعالى - والبعد عن محارمه . قال - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئاً ، ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ ، ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَه بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ ، ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ، فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّه ، إِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ . 7 - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتوجيه نداء ثالث إلى المؤمنين نهاهم فيه مرة أخرى عن موالاة أعداء اللَّه وأعدائهم . . فقال - سبحانه - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ . 8 - هذا والمتأمل في هذه السورة الكريمة ، يراها قد ساقت للمؤمنين ألوانا من التربية التي تغرس العقيدة السليمة في قلوبهم ، وتجعلهم يضحون من أجلها بكل شيء ، ويقدمونها في تصرفاتهم على محبة الآباء والأبناء والعشيرة والأموال ، وتكشف لهم عن سوء نيات الكافرين نحوهم ، وعن حرصهم على إنزال الضرر بهم ، كما ضربت لهم الأمثال بإبراهيم - عليه السلام - لكي يقتدوا به في قوة إيمانه ، وفي إخلاصه لدينه ، كما بينت لهم من يجوز لهم مودتهم